محمد جمال الدين القاسمي

153

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والعموم في قوله تعالى : وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ أيضا كما تقدم . والقصاص : إذا قطعت من أصلها لا إذا قطع البعض . ولا تؤخذ أذن الصحيح بأذن الأصمّ . وكذا عموم قوله تعالى وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والقصاص : إذا قلع من أصله . ولا بد من المساواة . فلا يؤخذ الصحيح بالأسود ولا بالمكسور . ولا الثنية بالضرس . ونحو ذلك . كما لا تؤخذ اليمنى باليسرى . وأما قوله تعالى وَالْجُرُوحَ فهذا فيما تمكن فيه المساواة ، ويؤمن على النفس لتحرج الأمة . كذا في ( تفسير بعض الزيدية ) . وتتمة فقه هذه الآية يرجع فيه إلى مطولات كتب السنة وشروحها . وقوله تعالى : فَمَنْ تَصَدَّقَ أي : من المستحقين بِهِ أي : بالقصاص . أي : فمن عفا عن الجاني . والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الترغيب فَهُوَ أي : التصدق ، كَفَّارَةٌ لَهُ أي : للمتصدق يكفر اللّه بها ذنوبه . وقيل : فهو كفارة للجاني ، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه . وهذا التأويل الثاني روي عن كثير من السلف . كما أخرجه أبن أبي حاتم . واللفظ محتمل . إلّا أن الأخبار الواردة في فضل العفو تشهد للأول . روى الإمام أحمد « 1 » عن الشعبيّ ؛ أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلّا كفّر اللّه عنه مثل ما تصدّق به . ورواه النسائي أيضا . و روى الإمام أحمد « 2 » عن رجل من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من أصيب بشيء من جسده فتركه للّه ، كان كفارة له . و روى الإمام ابن جرير « 3 » عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار . فاندقّت ثنيّته . فرفعه الأنصاريّ إلى معاوية . فلما ألحّ عليه الرجل قال معاوية : شأنك وصاحبك . قال ، وأبو الدرداء عند معاوية . فقال أبو الدرداء : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده ، فيهبه ، إلّا رفعه اللّه به

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 5 / 316 . ( 2 ) لم أهتد إلى هذا الحديث . ( 3 ) الأثر رقم 12080 من التفسير .